الأربعاء، 29 فبراير، 2012

ما بعد التتر

عاد الإبن الضال لحضن الاب الملهوف

الجالس كل صباح ومساء في الشرفة منتظرا ابنا عاق سنينا حتي يعود

مرتميا بين احضانه وتقام الحفلات

وتنحر الثيران فرحا تحت قدميه

تري لو لم تتوقف القصة عند هذا الحد

كم مرة كان سيعوق الابن

وكم سنة اخري سينتظر الاب

كل صباح ومساء؟؟؟؟

 

الأحد، 12 فبراير، 2012

تابوت خشبي صغير

لم يكن يتبق له في هذا الجسد الكثير, كان يعلم ذلك, وكانت معظم معلوماته صحيحة, جسده النحيل لم يشكل عبئا ثقيلا علي روحة الشفافة
كان صباحا باردا كئيبا, فلم يعد يتحمًل جسده الهزيل برودة الطقس بالرغم من توحده مع برودة القلب طيلة حياته
القى غطاءه بعيدا ملوٍحا له بيده كمن يلقي يمين طلاق على عجوز شمطاء التصقت به بعقد احتكار لرجولته لعقود طوال, فلم يكن بينه وبين اغطية الفراش اي عمار او الفة, لم يكن يحتمل اي عائق بينه وبين الطبيعة ولكن لعن الله امراض العظام
مد يده مغمض العينين الي المنضدة الصغيرة بجوار فراشه تناول علبة تبغ مصنوعة من صفيح رخيص ذات ملصق لفتاة شبه عارية , لم يعد يتذكر منذ متي وهي ترقد علي تلك المنضدة ولم يعد يعلم من اتي بها الي هنا
اصبحت كل الاشياء يصنعها بحكم العادة حتى التبغ لم يعد له ذاك المذاق الحارق الذي كان يتلذذ به متغلغلا بين ضلوعه
وضع علبة التبغ علي ركبته بعد ان جلس فاركا عينيه بأصابع ملوثة من تأثير لف وريقات التبغ قبل النوم, فوقعت علي الفراش ولم تحتفظ باتزانها, فاطلق بعض الشتائم البذيئة اليها وتركها ملقاة علي الفراش ونهض متوجعا قابضا ظهره بيمناه وعكاز خشبي متسخ بيسراه سائرا بضع خطوات فوطأت قدماه كتب متناثرة علي الأرض فلعنها هي الاخرى ونظر الي مقعد - كان وثيرا ذات يوم- تعلوه طبقات من التراب لم يجلس عليه منذ لم يعد يحتمل جسده سوي سريره الخشبي الذي استغنى به عن كل مايمكن ان يلامس جسده – باستثناء ذلك المقعد الخشبي اللعين الذي يجلس عليه منكبا لساعات طوال علي مكتب خشبي قديم تنبعث منه روائح الصمغ والغراء ونشارة الخشب – لعن المقعد الوثير ولعن تلك الايام التي احتضنه فيها وتذكر لاول مرة في ذاك اليوم الكئيب شيئا حدث في الماضي, تذكر كم ناجى الله جالسا علي ذاك المقعد المهترء الأن وكم شكا له وكم انكر وجوده, كم من الكتب قرأها عليه وكم من الكُتًاب نالوا من لسانه اقذع الشتائم , منهم من شتمه استحسانا واخرون سبًهم هجاءا
لم يطل في ذكرياته فلم يعد يحتمل التركيز في الماضي كثيرا فمضي في طريقه ليصنع كوب قهوته الاول من عدد لا يعلمه من اكواب القهوة المحروقة دائما
عاد بعد دقائق يحمل القهوة متكئا علي عجازه الخشبي فوضع الكوب علي المكتب والعكاز بجواره وجلس مستندا بظهره الي الحائط جاعلا ظهر الكرسي تحت ابطه الايسر ناظرا الي اكوام من الورق أفني عمره في كتابتها ولم يقرأه احد غيره ولم يقرأها هو منذ كتبها
كتب عن كل ماقرأ, دوًن كل ما جال بخاطره يوما, حاول الوقوف فلم يستطع, استند بيده علي ظهر المقعد وبالأخرى علي المكتب فخانه المقعد وتخلي عنه فانزلقا معا وفوقهما كوب القهوة مصاحبا المشهد كله موسيقا تصويرية من اصوات الارتطام واصوات لعناته للكرسي والقهوة وللروماتيزم والعكاز وكل مامر بحياته يوما
نهض اخيرا بعد معاناة طويلة وقبض علي العكاز العجوز وذهب الي ركن الحجرة المتكدس فيه اوراقه المتربة والمتسخة كلهابعد انا عرج علي مفتاح المصباح الوحيد الموجود في الغرفة فأضاءه, جلس بصعوبة علي الارض واضعا ماكان منتعلا به تحت مؤخرته متقيا به شر البرد الصاعد من بلاط الغرفة عارية الارض ناخرا عظامه, مد يده ليلتقط بضع وريقات يجمعها ببعضها مشابك معدنية صدئة يغلفها ورقة مائل لونها للون البني متناثر عليها بعض من بقع ماء جفت بعد ان التقطت بضع ذرات من التراب لتثبتها علي الورقة, تحتوي علي سطر واحد في منتصفها تقريبا حاول فك طلاسم الخط الذي كتبت به وبعد طول عناء بدون نظارته الطبية وتحت تلك الاضاءة الخافتة المنبعثة من المصباح النيون الذي لم يعد يستطع الصعود فوق الكرسي ليمسحه حتي يعطي المزيد من الاضاءة استطاع قراءة ما كان مكتوب بصوت اجش (بين خلق الاله للانسان وصنع الانسان لصورة الاله,هناك مساحة ما), ظهر الاعياء علي ملامح وجهه ربما من التركيز فيما اذا كان هو كاتب هذه الكلمات.
مسح تلك الوريقات في ملابسه ثم نفض ما لصق من ذرات تراب بملابسه في محاولة لرشوة ضميره ببعض من النظافة الشخصية, ثم تصفحها ورقة بعد الاخري وجرت الكلمات امامه مشوشة غير ظاهرة القوام .
القي بها جانبا وكرر ما فعله بمجموعة اخري ليقرا عنوانها (تاريخ التصوف في ديانات العالم القديم) واخري (الانسان الحديث والانعزال الاختياري) (النفس البشرية وحاجتها للالتصاق بالاله) (تطويع الفلسفة لمسايرة اهواء الفلاسفة) (صناعة الفراعنة) (الايمان الاختيار الاسهل) (الحب من وجهة نظري).
تغيرت ملامحه عندما وقعت عينيه علي ذاك العنوان الاخير واصبح وجهه وجه مراهق يري حبيبته بعد طول غياب, ابتسم لاول مرة منذ سنين وتصفح الوريقات ببطيء وتلذذ حتي انتهي من قراءتها مجتمعة.
مد يده للوراء دون ان ينظر حتي تعثرت بالعكاز فنهض وهو مازال ممسكا بوريقات وجهة نظره في الحب ويبدو انها غيرت مزاجه فجأة فاصبح يدندن باغنية قديمة لم يتذكر منها الا لحنا ووضع له كلمات تناسبه هو فقط لا تمت باي صلة لكلمات الاغنية الاصلية, وضع الوريقات علي المكتب والتقط كوب القهوة من مكانه علي الارض منذ سقوطه فوقه وذهب ليصنع كوبا جديدا من القهوة بمزاج رائق وعاد بعد قليل وهو مازال يدندن بذلك اللحن القديم, رشف القهوة بصوت عال ثم وضع الكوب علي المكتب والتقط قلم بعد ان جلس علي الكرسي الخشبي بعد ان اعاده الي وضعه امام المكتب وسحب الاوراق التي وضعها منذ قليل وجري بالقلم علي العنوان صانعا خطا عرضيا وكتب تحتها ( لم يكن الحب ابدا وجهة نظر) ثم وضع القلم جانبا راضيا عما فعله مبتسما مرة اخري ونحي الاوراق جانبا.
التقط من المكتب نموذجا مصغرا لتابوت خشبي بزخارف دقيقة عليه حرف ظاهر بارز من حروف الابجدية الانجليزية, حرف (S) وعمل علي صنفرته ثم دهنه بمادة الورنيش الشفاف ووضعه جانبا وكرر ما فعله بعدد ليس قليل من تلك النماذج المتعددة الاشكال والاحجام.
مر وقت طويل علي جلوسه في مقعده مدندنا بذات اللحن القديم عاملا علي تشطيب تلك النماذج الخشبية دقيقة الصنع, حتي شعر بالارهاق وانجز مهمته كما اراد.
قام من جلسته متجها الي ركن الحجرة المكدس بالاوراق ماسكا في يده حقيبة من البلاستيك الاسود وجلس امام الاوراق واضعا اياها كلها في تلك الحاوية البلاستيكية دون ان يهتم ان ينظر الي تلك الاوراق او ماهو مكتوب عليها حتي اتمها كلها داخل الحقيبة ووضعها جانبا, ثم اخد حقيبة ورقية فاخرة الصنع وضع فيها نماذجه الخشبية بعد ان جفت من دهانها ولم يترك علي المكتب سوي نموذج التابوت الخشبي والتقط ورقة صغيرة وقلم وكتب بضع كلمات
"دي اخر مجموعة اتفقنا عليها, انت عارف هاتدي الفلوس لمين , ارجو انك ماتتأخرش عليهم , معلش هاتعبك معايا تاخد الشنطة السودا دي في ايدك ترميها في مقلب الزبالة , شكرا ياصديقي العزيز."
وضع الورقة الصغيرة بداخل الحقيبة الورقية المحتوية علي النماذج الخشبية متقنة الصنع وحمل الحقيبتان وفتح باب شقته ووضعهما بجوار الباب عائدا الي الداخل بعد ان اغلق الباب.
نظر الي السماء من شباكه المفتوح فكانت الظلمة حالكة في تلك المنطقة العشوائية التي لا ينيرها سوي القمر المختفي خلف الغيوم .
التقط وريقات حبه من علي المكتب وذهب الي المقعد الوثير, جلس عليه بصعوبة وبعض التوجع وضع الاوراق علي ساقيه, ومال برأسه علي ظهر المقعد ورحل عم سعيد العجوز في نهايات العقد الرابع من عمره الطويل في هدوء.