السبت، 2 فبراير، 2013

الأبله

في قريتنا الصغيرة في اعماق الريف كانت تقبع مدرستنا العتيقة, كانت قصرا لاحد باشوات العصر البائد تمت مصادرته بعد ثورة العسكر, لم يكن لها اسوار, كان دائم الجلوس بجوارها, بعقولنا الخضراء اخترعنا له حكايات شتي, فقال بعضنا انه ابن صاحب المدرسة, فقد عقله بعد مصادرة اموال ابيه, وقال اخرون انه صاحب المدرسة بعث من قبره الجاثم اسفل المدرسة في الغرفة المظلمة بجوار دورات المياه التي كنا نخشي الذهاب اليها, كما كنا نخشاه, جلبابه البني الباهت الذي لم نراه بسواه رث مهلهل, ينضح بزيت الفطائر التي لا تخلو منها يده وجيوبه, يجود بها عليه زائرو القبور المجاورة لمدرستنا.

انتهت مرحلتنا الابتدائية واتقلنا لمدرسة اخري ذات اسوار خرسانية وبوابات حديدية وجدران من الطوب الاحمر الزاه, ودائما كان يأخذنا الحنين لنمر بمهد طفولتنا وملعبنا القديم بمدرستنا الاولي, لنراه وقد بدًل الجلباب بقميص ذي الوان متداخلة وبنطال اخضر ينضح بزيت فطائر زائري القبور, وعلمنا كما يعلم جميع اهل قريتنا كل مايحدث بها - فقريتنا لا يختبيء بها سر- انه يعمل فراش في المدرسة في اوقات استراحته من عمله الاساسي بحظيرة احد باشوات العهد الجديد المجاورة لمدرستنا.

ذهبت بنا الايام وغدت ورجعت في احدي زياراتي للقرية التي لم استطع التعرف علي معالمها, وأخبرني ابي بأن عمدة القرية طلب منه حين رآه "ابقي خلي الباشمهندس يعدي علينا" , ذهبت الي دوار العمدة ذي الطراز الاوربي الذي اقيم علي انقاض مدرستنا وانتظرت بالمضيفة المطلة بنافذة عريضة من الزجاج علي الحظيرة التي كانت بجوارها مدرستنا حتي اتاني العمدة بحلة زهرية ولحية نابتة ليناقشني في بناء مقر للحزب الحاكم بالقرية.
ولكني لم اندهش حين رأيت علي حلته الانيقة بقع من الزيت.