الثلاثاء، 25 يونيو، 2013

هكذا اخبرني ارشد

كنت في باكستان اعمل امام جامع وداعية ومأذون شرعي ومحفظ للقرآن , يمتلك ابي ورشة لاصلاح السيارات ولكنه رفض عملي بها , فهو يصر علي اني متعلم ولا يصح لي العمل في ورشة, وحتي الان كلما هاتفته ينهرني ان ارجع الي "اسلام اباد"  قائلا  "حامل كتاب الله لا يعمل (اوفيس بوي) , ارجع بلدك والارزاق علي الله" , درست علي يد شيوخ لهم اسمائهم في "اسلام اباد" وتعلمت العربية الفصيحة ولكن الناس هنا لا يتحدثونها وتعبت كثيرا عندما اتيت لاني لا افهم لغتهم, كما درست الانجليزية علي يد علماء انجليز اتوا الي "اسلام اباد" دارسين للقرآن , مكث احدهم لدينا مايقارب العشرين عاما ولازلنا اصدقاء حتي الان.

نعيش في" اسلام اباد" ولا نملك فيها شيئا , ليس لدينا سكن دائم وننتقل سنويا من منول لاخر, موطننا الاصلي كشمير , تبعد عن "اسلام اباد" ستمائة كيلو متر, نزحنا منها لانها لا يوجد بها عمل تركنا ارضنا وزراعتنا , اسعار المواد اللازمة للمعيشة اربعة اضعاف مثيلتها في اسلام اباد .

ندفن موتانا هناك , نذهب في رحلة  ملتفين في حافلة حول جثمان المتوفي , نواريه الثري ولا نجد معزين في قريتنا المهجورة, ونعود في حافلتنا دون الفقيد.

عندما هاتفت ابي في المرة الاخيرة منذ يومين لم ينهرني كعادته , اخبرني انه علي خير مايرام واعطي الهاتف لشخص اخر, اصيب بالسرطان والاطباء يقولون لابد من الجراحة لاستئصال الورم, اخبرتني والدتي ان الجراحة ستتكلف اربعة ملايين روبية (160 الف ريال سعودي) مايعني عملي هنا ثلاثون عاما , ولكن الحمد لله علي كل شيء , يبدو ان الرحلة الي كشمير ستتكرر قريبا.

لدي اربعة ابناء بنتين وولدين , تركتهم مع والدتهم, انعم الله بها عليً, لم تتذمر يوما , ترضي بما ارسله لها قل او زاد, لا تعلمني بمشاكلهم اليومية حتي لا تنغص عليً غربتي , ولكنها لم تستطع كتمان بكائها حين طرد المعلم الولد والبنت من المدرسة لعدم تسديدهما مصروفاتها قائلا انتم اولاد ارشد وهو يعمل في السعودية ولابد انه يملك المال , هدأتها واخبرتها ان مديرة المدرسة الانجليزية صديقتي منذ عقدت قرانها علي معلم صديق, هاتفتها واخبرتها انني سأرسل المصروفات اول الشهر القادم, فقالت انها لا تعلم ماحدث ولكنه ستوبخ المعلم الذي فعل ذلك.

ولكني لا اعلم كيف اهديء من روعها بعدما سقط الولد الصغير من الطابق الثالث فشجت رأسه , الحمد لله علي كل شيء.

في اسلام اباد غالبية السكان مسلمين سنة ولكن توجد اقلية من الشيعة واليهود والمسيحيين, نعيش في وئام وسلام وكل في حاله ولكن تحدث بعض المشاحنات احيانا , فذات مرة اشاع احدهم عن احد المسيحيين انه سب (استغفر الله العظيم) رسول الله فقام المشاغبين بقتله وحرق ثلاثين منزلا من منازل المسيحيين في المدينة , لا اعلم ماذنب من حرقت منازلهم, فالذي فعل ذلك ـان صحـ قد قتل هو يستحق , ولكن ما ذنب الباقين , ولكن حاكم المدينة اصدر اوامره بالقبض علي المشاغبين وتعويض كل منزل من المتضررين بمليون روبية.

نسكن في سكن العمال خمسة افراد في غرفة واحدة, جميعنا اقارب, منا من يعمل هنا منذ عشرين عاما , الغرفة لا تتحمل خمسة أسِرة فينام بعضنا ارضا, اصحو يوميا وقت الفجر لاصلي واصنع لهم الخبز, ويصنع الاخرون طعام الافطار , انعم الله عليً بصحبتهم , فيتحملوني اشهر عدة لا اساهم معهم في مصاريف الطعام حتي استطيع ان ارسل بعض النقود لاسرتي , ولكن لكل منهم اسرة ولكل منهم التزامات , ولكن الحمد لله علي كل شيء.