الاثنين، 28 يوليو، 2014

قصر المعصوبين


يدخل الصبية الذين تخطوا سن الخامسة عشر باب القصر لأول مرة يحملون كم من الرهبة والتشويق والاحلام عما سمعوه طوال حياتهم عما هو موجود بداخل ذلك القصر. يقف علي الباب حارسان ضخام الجسد يحجبون الباب بأجسادهم. يضعون عصابات علي اعين كل من يدخل؛ فلا يدخل احد باب القصر بدون الغمامة.
-        اهلا بكم اعضاء جدد في رعاية صاحب القصر
يسمع الجميع صوت لا يتبينون مصدره.
-       -    فليمسك كل منكم في كتف من امامه
وامسك خادم القصر ذو العصابة الغليظة علي عينيه بيد اول صبي في الصف وسار حتي وصل للقاعة المنشودة, رائحة نفاذة تخترق الانوف.
-          هنا داخل هذه القاعة نقدم جميعا فروض الولاء للسيد صاحب القصر حتي يشملنا وكل سكان القرية برعايته وحمايته, صاحب القصر هو من يدافع عن قريتنا ضد هجمات الاعداء, هو من يقدم مشورته لمن يطلبها, اطلبوا منه دائما ما تحتاجون, من له مظلمة من اخيه فليتقدم بها.

-          اين صاحب القصر ياسيدي؟

-          موجود في قصره, لا يراه أحد

-          نريد ان نراه

-          لا يري احد صاحب القصر ويعيش

-          ولكن كيف يرد علي مطالبنا

-          ستعرف كل شيء في وقته, اطلب ما تشاء وسيأتيكم الرد من خلال خادم صاحب القصر

-          ومن خادمه؟

-          ورثتُ خدمة سيدي صاحب القصر عن ابي واجدادي من قبله

-          اذن فأنت وسيلة اتصالنا بصاحب القصر

-          نعم انا كذلك, خصًني سيدي بخدمته

-          ولكن لمَ العصابات علي اعيننا, لمَ لا يريد صاحب القصر ان نراه

-          هذه العصابات لحمايتنا, لا أحد يري صاحب القصر ويعيش, هكذا اخبرنا ونحن نصدق كل ما يخبرنا به
..........................................
خرج الصبية من باب القصر وسلموا عصاباتهم للحراس وذهبوا للًهو كما اعتادوا

-          هل رأيت ما بداخل القصر من نعيم؟ هل شممت تلك الرائحة العجيبة؟

-          نعم, ولكني احقد علي ذاك الخادم الذي يسكن هناك وحده, لمَ لا نسكن جميعا داخل القصر ونستمتع بما رأيناه بالداخل.

-          اصمت! لا ينبغي ان تتكلم هكذا, صاحب القصر اختار خادمه ولا ينبغي ان نعترض, لا تخبر احدا بذلك ثانية, سيعلم صاحب القصر ويكون جزائك الموت, الم تسمع ما قاله الخادم اليوم؟

-          بلي, بلي, قد سمعت, ولكني اخبركم فقط بما دار في عقلي, هل يحاسبنا صاحب القصر عما نفكر به؟ نحن حديثي العهد بالقصر ويجب ان نفكر حتي نعلم حكمته, سؤالي ليس للتشكيك في كلمة السيد, ولكن حتي يطمأن قلبي
في جانب منفرد يجلس "عابد" احد الصبية يتابع الحديث في صمت, وفجأة قاطعهم

-          عن اي نعيم تتحدثون؟ هل رأي احدكم شيئا؟ انا لم أرى نعيما ولا حدائق وفاكهة, كل ما سمعته هو ما أخبرنا به خادم القصر

-          اصمت يا "عابد", اصمت لا تكرر هذا الكلام, سيغضب عليك صاحب القصر وخادمه, كيف تشكك فيما يقولون, القرية كلها تعلم ان خادم القصر يستمد حديثه من صاحب القصر, ويعلمون ان صاحب القصر لا يكذب.

-          اذا كان لا يكذب لمَ لا يسمح لنا برؤيته؟

-          لحمايتنا كما اخبرنا الخادم, لم يري احد صاحب القصر وعاش

-          وهل رآه احد ومات؟

-          نعم كثيرون رأوه وماتوا في التو, هكذا اخبرنا الخادم, وهكذا اخبرني ابي اكثر من مرة

-          وهل رأي اباك من مات ؟

-          اخبره ابوه, وجدي لم يكذب مطلقا
................................................
في الاسبوع التالي وفي نفس الميعاد ذهب الصبية لباب القصر ليقدموا فروض الطاعة لصاحب القصر كما اعتاد اهل القرية كل اسبوع

-          سنكمل اليوم وصف القصر وحدائقه ومنافعه لكل اهل القرية, فصاحب القصر هو من بنى تلك القرية التي نعيش فيها, له الفضل في رفاهيتنا عمًن حولنا, نلوذ اليه في الشدائد, ونطلب منه الخيرات, ولم يطلب منا شيئا في مقابل ذلك؛ سوى ان نطيعه دائما ولا نعصي أوامره.

-          سيدي, هل يعني ذلك ان صاحب القصر يعيش منذ ان بُنيت القرية؟ هل يعني ذلك ان عمره أكثر من مائة عام؟

-          من انت يابنيً

-          اسمي "عابد"

-          اسمع يا "عابد", انت لازلتَ صغيرا, لذلك سيسامحك السيد عمًا تفوهت به, ولكن احذر انت تكرر ذلك, فكلامك ينطوي علي شك لا ينبغي أن يكون في كلام السيد أو خادمه

-          ولكن...

-          ليس هناك لكن, في المرة القادمة سيكون عقابك بسوء فعلتك, اعتذر عما بدر منك والسيد سيسامحك, فالسيد رحيم القلب يصفح دائما للمرة الأولي.

-          أسف سيدي

-          نكتفي اليوم بهذا القدر, نلتقي في الاسبوع القادم
...................................................
في غرفة ملحقة بحديقة القصر الخارجية حيث يلتقي الخادم ببصاصينه

-          أري انك لا تقومون بعملكم على أكمل وجه

-          لمَ ذلك سيدي, نفعل ما تأمرنا به دائما

-          يا بنيً أنا لا أؤمر بشيء, ما انا سوي خادم لسيدي, اخبركم بأوامره, هو من يأمر وينهي

-          كلنا في خدمة سيدنا وخدمتك سيدي, ولكننا نريد ان نعرف ما بدر منًا

-          بعض الصبية يتفوهون بما لا يليق بمقام السيد, لم يحدث هذا منذ خدمتُ القصر وصاحبه

-          عفوه وعفوك سيدي, اخبرنا من هم وسنقوم بما يجب

-          لا, صبيٌ صغير لا يعي ما قال, وقد أمًنه السيد ولا تٌرد كلمته, وليس الخوف منه, لابد وانه سمع ما قال من آخرين, أريد متابعة جيدة لما يحدث, انتشروا في التجمعات بحرص, يريد السيد معرفة كل ما يدور خلف الجدران, انشروا ما أخبرتكم به عن سيدكم, اخبروا الناس بحقيقته, اختاركم السيد بعنايته لتقوموا بمهامكم, وُكلت اليكم حماية الناس من انفسهم, وانتم جديرين بهذا, سيساعدكم السيد بحكمته, اطلبوها وقتما تشائون.
............................................
في ملهى الصبية مجددا

-          ماذا فعلت يا "عابد", هل جننت؟ هل تشكك في كلمات السيد وخادمه؟ الا تخشي ما قد يحدث, ألم تسمع بمن شككوا في السيد من قبل؟

-          انظر يا "ساهر", انت صديق دربي منذ كنا اطفال, سأخبرك بما في صدري ولكن اجعل ذلك سرنا

-          لا يا"عابد", لا تخبرني بشيء, لا تحملني ما لا أحتمل, اجعل ما في صدرك لك وحدك ارجوك

-          اذن دعنا نتفق, سأخبرك ولا أحد بيننا الآن, فأن علم السيد بما أخبرتك فهو السيد كما يخبرونا, وان لم يعلم فلنرى ما سيحدث.

-          اذن تعالَ فوق شجرة البلوط مهد طفولتنا, هناك لا يسمعنا سوي الطير.

-          هيا بنا
.................................................
في ملتقي الصبية الاسبوعي داخل القصر ومع خادمه وبعد انتهاء الخادم من تذكيرهم المستمر بفضل القصر وصاحبه علي القرية وسكانها

-          هل لأحد منكم سؤال؟

-          نعم سيدي

-          من انت يا بنيً, الست "عابدا"؟

-          بلي سيدي, انا "عابد"

-          اسأل ما شئت, يبدو انك سيكون لك شأن كبير معنا, صاحب القصر يحب المتيقظين دائما

-          سيدي, في الاسبوع الماضي أخبرت صديقي ببعض الأمور تخص القصر وصاحبه, هل ازعجت تلك الامور صاحب القصر؟

-          ماذا اخبرت صديقك يابنيً

-          الم يخبرك صاحب القصر؟

-          لا يخبرني كل شيء يابنيً, يخبرني فقط بما يريد

-          اذن فلم يكن ما أخبرت به صديقي بالأمر المهم, حسنا سيدي, لا بأس

-          من هو صديقك الذي أخبرته يا"عابد"

-          اسأل سيدك, فهو يعلم كل شيء.

-          تأدب ياولد حينما تدعو السيد, فهو سيدك وسيدي وسيدنا جميعا, ابن من انت في القرية؟

-          فليخبرك سيدك, فهو يعلم بكل تأكيد

-          تخطت وقاحتك المعهود, لابد من استشارة السيد في أمرك, فلتصمتوا حتي ارجع

خرج الخادم واغلق باب القاعة من الخارج, دقائق ثم عاد

-          اذهبوا الآن, واخبروا ابائكم بأجتماع لكل أهل القرية في الغد, اخبرني السيد بأمر ذلك الملعون, وسأعلن الأمر أمام كل القرية في صباح الغد, وأما انت أيها الملعون ستمكث هنا معي حتي ذلك الموعد.
تسمر الصبية قليلا فنهرهم الخادم

-          هيا اذهبوا يا ملاعين.
صاح "عابد"

-          انتظروا, أين هو السيد, يجب ان اقدم مظلمتي له, انا أعلم انه موجود, ولكني لا أثق بخادمه هذا, اريد ان أسمع حكمه بنفسي.

أدرك الخادم تأزم الموقف فصاح مزبدا

-          اصمت يا ملعون, لا أحد يري السيد ولا أحد يحادثه, اتريد أن تعلم حكمه عليك, لقد حكم عليك بالموت, ومن لن يذهب الآن منكم سيكون مصيره الموت معه
شهق الصبية وتجمدت اطرافهم

-          الموت!! لا, "عابد" لا يستحق الموت, "عابد" لن يموت

-          من انت ايها الملعون, ستموت انت ايضا

-          "عابد" لا يستحق الموت

-          وانت ستموت, جميعكم ستموتون غدا, بل الآن, ستموتون جميعا الآن.
علا صراخ "عابد" ليغطي علي ثورة الجميع

-          انتظروا جميعا, انظروا, سأخبركم بشيء, سأخلع عصابة عينيً الآن, لأري السيد واقدم له مظلمتي

-          ستموت ياملعون
وصاح كل الصبية في هرج ومرج

-          لا يا"عابد", ستموت, ستموت

-          سأموت غدا علي كل حال, وها هي الغمامة, لقد ازلتها عن عينيً, ولم أمت, الم اخبركم انه كذاب, الم اخبرك بذلك يا "ساهر"؟ اتصدقني الآن؟

-          لا تصدقوه, لم يفعل شيء, لم يخلع شيء, لو كان خلعها لكان قد مات الآن, أنسيتم كلام السيد؟

-          صدقني يا "ساهر", انت تعلم اني لا اكذب, لقد ازلت الغممامة عن عينيً, اتعلم ماذا أري؟ لا شيء مما قاله الكذاب, لا شيء, لا يوجد صاحب للقصر, لا وجود للحدائق والفاكهة, ليس سوي قصر مهجور مليء بالحشرات والعناكب, وكيف يكون غير ذلك وكل من يدخلونه عميان.

-          اصمت يا "عابد" ارجوك, لا تقل ذلك, سينتقم منك السيد اشد انتقام.

-          ألا تصدقني يا "ساهر"؟ انظر انت ايضا, افعل مثلما فعلت, تعرف علي حقيقة المخادعين, هيا جميعا اقشعوا الغشاوة عن عيونكم, اكشفوا زيف الكذابين, ليس هناك سوي خواء, لا يوجد شيء مما تنتظرون.

-          اصمت يا "عابد", تريدني أن اموت؟ تريدني ان اخلع عصابتي حتي لا تموت وحدك؟ اذهب يا صديقي فلستً صديقي بعد.
صاح الخادم في هياج شديد

-          امسكوا ذاك الملعون, اوثقوه, اخرجوا به لحديقة القصر, سيذبح الملعون هذه الليلة, لن ننتظر للصباح والا ستحل لعنة صاحب القصر علي القرية كلها, فلم يحدث ان تطاول أحد علي صاحب القرية هكذا من قبل, اخرجوا به قبل الظلام.
............................................
في الاسبوع التالي في ميعاد اللقاء ذهب الصبية لباب القصر, ولم يكن بينهم "عابد", بينما كان "ساهر" فوق شجرة البلوط وحده يفكر فيما حدث.