الأربعاء، 16 مارس، 2016

شجرة السنط العجوز

في مدخل حوش منزلنا في التقاء الشارع الضيق -الخاص بمنزلنا- بانفراجة الحوش تقبع مصطبة من الطوب اللبن مطلية بملاط من طين اسود مخلوط بعيدان صغيرة من قش الارز, ومقابلها تقف شجرة سنط بجذع غليظ قصير يخرج منه فرعان يحتضنان الفروع الاصغر المتتالية فوقهما, مشكِلتان - شجرة السنط والمصطبة- بوابة للحوش مسرح طفولتنا. يجلس جدي العجوز على المصطبة منذ استيقاظه في الصباح حتى مغيب الشمس, هكذا عهدناه كل يوم, خلا الايام التي يذهب فيها للمدينة لانجاز مهامه المالية. كنا نعرف تلك الايام من عصر اليوم السابق لها, تتناثر على المصطبة بجواره اوراق وكراسات صفراء قديمة يخشى عليها ويشتمنا بعبارات تتناول امهاتنا ان امتدت اليها يد احدنا عندما نلعب حوله, ويكثر زواره ذاك اليوم, فمن يأتي بحماره يربط لجامه بجذع الشجرة التي كان دائما تحتها مقطف من الجلد الرديء كالح اللون بأذنين متدليان على جانبيه مملوء بالعلف الذي كان يحرص جدي على تنبيه احدنا بملئه كلما رآه قارب ان يفرغ.
كانت شجرة السنط لا تحتاج رعاية احدنا كما كنا نفعل بأشجارنا الصغيرة التي نزرعها بأنفسنا, لذا لم نكن نعتبرها مجرد شجرة ولكنها فرد مستقل من افراد العائلة, لا يعيرها احد منا أي اهتمام هي فقط تقف مكانها كأنها جزء من القدر, حتى جدي لا يهتم بها سوى في حالتين, ان امتدت يد احدنا للحائها نقشره كي نصنع رسوماتنا الصغيرة على جذعها الضخم, وان صعدنا لأعلاها لنلتقط تجمعات الصمغ الذي تفرزه
كانت معاركنا الصغيرة معه حول محصول الصمغ تكثر في فصول الدراسة, تثيرنا تجمعاته في الصباح الباكر حين يغسله الندى ويلمع تحت اشعة الشمس كحبات الزجاج, ننتهز عدوم استيقاظ جدي ونلتقط الصمغ اثناء ذهابنا للمدرسة صباحا لنلصق كتبنا التي انفصلت عن بعضها. يوم الجمعة ينادي اول من ينزل الحوش منا, يصعد الشجرة تحت رعايته ونظره, يلتقط فقط مايشير به عليه, لا تمتد يده الى سوى مايقول, وحين ينزل يعطيه ما جمعه وان التصقت احدى القطع بثنايا ملابسه بفعل العمد او السهو ينهره جدي أن هناك قطعة ناقصة يابن الكلب. يضعه في زجاجات الدواء الصغيرة ويعالجه ببعض الماء الساخن ليصبح جاهز للاستخدام انما احتاجه او لاهداء لواحدة منها لعزيز لديه.
حينما قارب جدي التسعين تغيرت اشكال منازلنا, ارتفعت البنايات الصغيرة لأبي وأعمامي حول الحوش ولكن بقى جدي والحوش والمصطبة وشجرة السنط شهود صامتين على ماتغير, وان قلت فترات ظهور جدي على المصطبة تدريجيا, فأصبح ينام قيلولته بغرفته بدلا من نومه على المصطبة واستظلاله بالشجرة في القيلولات السابقة, ثم تأخر استيقاظه صباجا وطالت فترات القيلولة, وانتهت زياراته للمدينة وقل زواره ولكن بقى المقطف الجلدي قابعا تحت الشجرة وان بقى معظم الوقت فارغا. الى ان اصبح يقضي يومه بالغرفة مراقبا الشجرة من شرفته موزعا علينا تعليقاته البذيئة كلما مررنا من تحت الشرفة في طريقنا للذهاب او الاياب, وقلت التعليقات تدريجيا الى ان صمت جدي نهائيا باستثناء استجابته لتحيتنا او تحية بعض زائرينا.
استيقظت ذات صباح على صوت جلبة وميزت صوته شاتما ولاعنا بكل ماتعلم من الفاظ بذيئة على مدار التسعين عاما, فتحت الشرفة فوجدته يقف أمام شجرة السنط الممددة امامه متهاوية جذعها العجوز اليابس ينزف عصارة طازجة من اجزاء مقطوعة حديثا وشعاب جذور صغيرة رافعهة اصابعها نحو السماء . اسقطتها سيارة نقل مواد البناء وحرص عمي على ان يسرع السائق بالذهاب قبل استيقاظ جدي لانه لن يتركه يذهب
جلس يومه على المصطبة امامها, لم يشح بعينيه عنها, لاعنا كل من حياه ومن مر امامه بغير تحية, طالت فترات جلوس جدي على المصطبة مجددا ولكنه كان دائما وحيدا امام جثة الشجرة العجوز التي يبست وذهب البااقي من خضارها الى ان فوجئت يوما بأحدهم يستخدم بلطة ومنشار ويقطع الفروع الصغيرة ثم الكبيرة للجثة العجوز الراقدة في صمت وجدي يتابع عمل الرجل صامتا كالشجرة تماما. حييته فلم يرد, وفي المساء نظرت من النافذة فوجدت جذع الشجرة القصير واقفا مكانه القديم مسنودا بدعامات خشبية مقطوع الاذرع كتمثال رجل قصير لم يكتمل.
لم يطلب جدي من احدنا الاعتناء بوليده العجوز -وان فعل لم يكن ليلق استجابة- استبدل المقطف الجلدي بدلو صغير ينقل لها الماء وبعض الاسمدة الطبيعية ويختبر الدعامات بيديه ثم يطمئن ويحمل ثقله متهاديا الى ان يصل لغرفته يفتح الشرفة ويجلس صامتا. هكذا كل يوم
يوم ان مات جدي وبعدما عدنا من دفنه وقفنا واعمامي وأبي بجوار الجذع العجوز نتلقى تعازي الوافدين يتوسطنا كأنه أحدنا. وحين انتهى القاريء واتممنا الفاتحة مسحت وجهي بكفي التفتُ دون وعي للجذع الواقف امامنا, لمحت تحت الضوء الساطع لمصباح الفِراشة الكبير المعلق فوقه مباشرة وريقات خضراء لبرعم ينبت من اللحاء البني الجاف