الأحد، 15 ديسمبر، 2013

شتاء ووعاء أصفر



ادار مغلق الباب متراخيا وانار المصباح بكسل روتيني , وضع حقيبته البلاستيكية علي منضدة بوسط الصالة وذهب الي المطبخ اعد وجبته الوحيدة وأتي بصحن منفردا وضعه علي المائدة واخرج الخبز من الحقيبة واتم عشائه.
"قربت الستين من عمري, ولكن الشباب شباب القلب , هم يخبرونا كذلك, دائما نصدقهم فيما اخبرونا ولا نكتشف الحقيقة الا بعد فوات الدهر, لا اعلم حقيقة ما انجزته في تلك السنين المديدة, وان كان له قيمة حقيقية, خضت معارك كثيرة ادمت جزء مني جميعها, ما انتصرت فيها وما اخفقت, دائما لابد من وجود خسارة, ولكن ماقيمة المعارك ,هل يذكر التاريخ سوي المعارك التي اسفرت عن تغيير في مسار البشر؟, ولم يكن هذا من طموحاتي ابداً.
نشأت في بيئة تقتل النباتات, والنبتات, جمعت من الاموال ما لا استطيع عدُه, وتركته باختياري, لم اتبرع به للمساكين كما طلب مني بعضهم, ولمَ اشفق عليهم؟, دعهم يجتازون معاركهم بأنفسهم, تركتها لمن يهمهم امرها يتصرفون فيها بعدما امضي.
احببت, احببت قدرما استطعت, وها هي النتيجة, اجلس وحيدا بجوار مدفأة, ووعاء القهوة الاصفر فوق مشعلها الصغير, لقطة فوتوغرافية يشتهيها مبدعي الفوتوغرافيا - ان اختزلنا من المشهد انابيب دهان الركبة - ان اخبروك أنها لقطة للعراقة والاصالة فهم جد كاذبون.
هل تستحق الحياه نهاية كتلك, لا اعتقد ان كل مارأيت في البلاد التي تصعلكت بها تساوي ليلة واحدة في انتظار النهاية وحيدا.
لا تعوضها شوارع باريس ولا سهرات الأوبرا بسيدني, ولا افيال الهند, ولا حفلات "الست" ولا صالونات الكتب. فكل المتع تنذوي خجلى أمام حضن دافيء في شتاء طويل.
هل تستحق هي كل هذه السنوات العجاف؟ هل استحق سراب, برد كل تلك الليالي الطويلة؟ "
امال رأسه علي كرسيه ووضع الكتاب بيده علي المنضده بجواره وانتظر صباح آخر ربما لا يأتي
-          معلش يا استاذ, المهندس صبري مدير قسم التراخيص مجاش بقاله يومين الظاهر انه دخل في نوبة من اجازاته الطويلة المفاجأة كالعادة

الجمعة، 29 نوفمبر، 2013

بروُ عتب

صعد السلم الرخامي لمنزل قديم بشارع النبي دانيال بمدينة الاسكندرية محبوبته التي لا يستطيع ان يمكث بها كثيرا, صعد السلم ببطء شديد ناظرا اسفل قدميه الي الدرج المبري من كثرة الاستخدام, تذكر جملة جدته الشهيرة له حين يذورها "ياواد انت مش جاي تقعد معايا يومين ولا هو برو عتب" كناية عن قصر مدة زيارته.
امام باب شقة بالطابق الثاني وقف مترددا , طرق الباب فانفتح ووجد امامه سيدة سبعينية تملأ تجاعيد الزمن وجهها الملائكي
           -          اتفضل يابني , تشرب ايه؟
جلس علي مقعد وثير انيق عتيق وقدمت اليه الشاي
           -          اسكن هذه الشقة من اوائل الستينات حين تزوجت "ابو فاطمة" , قاطعني اهلي , فكيف تتزوج "إستير سمعان" بنت ابراهيم ابو الانبياء الذي اختاره الرب ونسله من بعده ليكونوا شعبه المختار من "محمد عبد الهادي".
كنت في العشرينات من عمري وحبي الكبير ل"ابو فاطمة" جعلني تخليت عن العالم وعن عائلتي لالتصق به وقد كان يستحق التضحية , كان اهلي وعائلتي ولم يجعلني يوما اندم علي مافعلت
كانت الاسكندرية وقتها مدينة الحلم , كانوا يطلقون علي عمارتنا هذه "عصبة الامم" , كانت تحوي المصريين والاجريج والطلاينة والانجليز والفرنساويين والمغاربة ولم تكن تميز احدهم من الاخر .
بعد حرب 67 هٌجٍر من هٌجٍر وهاجر الباقين وبقيت وحدي من عائلتي ومن حينها لا اعلم شيئا عن اهلي
تغير الناس كثيرا خصوصا منذ وفاة "ابو فاطمة" اصبح الكل يدعونني "إستير اليهودية" حتي ابنتي صار اسمها "فاطمة بنت إستير اليهودية" بعد ان كان اسمي "ام فاطمة"
فاطمة الان  تجاوزت الاربعين ولم يتقدم لها ابن الحلال فمن سيتقدم ل"بنت استير اليهودية"
حين مولدها كان ابيها يريد ان يسميها "انجي" ولكني اصررت ان يدعوها "فاطمة" فقد حسبت حساب هذا اليوم ولكن يبدو ان جساباتي كانت خاطئة ايضا.
حتي اصدقائها مدعي الحرية الانفتاح لا يتخطي انفتاحهم عتبة هذا البيت لدخوله فدائما تبقي عقبة "بنت إستير" معلقة بلافتة ضخمة غير مرئية علي بابنا
علي قمة الشارع يقبع معبدنا اليهودي لم يبق منه سوي معلم من معالم مدينتنا العريقة ولكننا لا نستطيع استخدامه لعدم وجود ذكور يهود يقوموا بدور رجال الدين.
عانت فاطمة كثيرا حتي وجدت عملا يغنينا حاجة السؤال
عندما قامت ثورة يناير كنت من اشد مناصريها ولكني لم اجاهر بذلك حتي لا اسمع مالا يسرني ولكن "فاطمة" كانت دائمة التواجد وكانت تسافر كثيرا للقاهرة ولكنها لم تسلم من السنتهم, سمعتهم بأذني كثيرا "ثورة ايه دي الي بتعملها بنت استير اليهودية, دول شوية بلطجية قابضين من امريكا واسرائيل"
ناصرت الثورة للخلاص من العسكر الذين اغتصبوا ارضنا ولكني لم اكن اعلم انهها ستستبدلهم بمن يكفرونا ليل نهار
هل تعلم شعور من تعيش في بلد لا يقبل وجودك, لا يقبلك اصلا
يأتيني كثيرا الصحفيين لكتابة مقالاتهم عن احوال اليهود بمصر ويظهرون بمظهر مناصري الحرية ويذهبون ويأتي غيرهم, ولكنك لا تبدو مثلهم , هل انت مثلهم؟!
يغلق مسجله الالكتروني ويشكرها ويشد علي يدها ويعتذر عن ازعاجها مغادرا , وعند مدخل العمارة يخرج هاتفه
              -          معلش يا استاذ الست رفضت تقابلني هاكتب عن اي موضوع تاني

السبت، 2 نوفمبر، 2013

يا ابنة عليٍ


"ويل للحقيقيين فإن الارض تلفظهم"
فالحقيقيون يفضحون زيف الارض وفاء , والعالم يكرههم .
لا تكرهي العالم ياصديقتي – وهو يستحق- ولكن ناطحيه, ولن ابشرك بإنتصارك عليه , فلا تنتصر الحقيقة في عالم الزيف, يحدث هذا فقط في عالم الخيال.
تختلط الافكار بداخلي, فلن تصبحي مائعة , اعلم ذلك, ولن تتبلدي وتصابين باللامبالاه, اعلم ذلك ايضا, ولكني أراهن علي عنادك.

لا تتغيري وفاء, ابقِ علي عنادك, وابقِ علي بغضك للمزيفين,  فهم يستحقون, اصنعي عالمك النقي من حولك, فلن انسى ما اخبرتِني به  قريبا  "افعل ما قد تندم عليه, حتى لا تندم على ما لم تفعل"

ابقِ علي مفهومك للحب, فهو افضل مايشفي أسقام أرواحنا, اعطه فقط لمن يستحق, وعندما تفعلين اعطِ قدر ما تستطيعين - كعادتك دائما - فلن تندمي يوما صدقيني .

اعلم ان علاقتك المميزة بأبيكِ - رحمه الله- قد تكون سر شقائك , فأجعليها دافعك.
قد لا اكون افضل من يقدم نصيحة , ولكن اسمعي من شخص مائع خسر لميوعته الكثير, لا تتركي مشرطك, افتحي كل جروحك, واجهي كل المتنطعين, إبكِ حينما اردتِ واضحكي حينما تشائين, اضحكي منهم وعليهم, فضحكاتك لن تجعلك تخسرين من يستحقون معيًتك.
نهايته وفاء
لكلٍ منًا قدره وما خُلق لأجله, لا نستطيع تغييره , ولكننا نستطيع فعله بوسائل مختلفة.

السبت، 26 أكتوبر، 2013

عندي ثقة فيك

في ساحة الانتظار بالعيادات الخارجية لاحدي المستشفيات الصغيرة بتلك البلد الغريب التي قصدها بعد الهروب من وطنه جلس ينتظر دوره امام عيادات الاسنان
حين سألته عاملة الاستقبال عن اي طبيب يريد اجابها لا فرق فكلهم يقضون الغرض
فبعد "حبيبة"  لم يكن شيء يهم, فلم يكن يتصور ان يذهب لطبيب طالما كانت في حياته, حين كان يمرض يلجأ اليها دائما لتصف له الدواء,
              -          ياحبيبي انا دكتورة اسنان مالي انا ومال الصداع؟
              -          ياحبيبة انتوا دكاترة في بعض واكيد الطب كله موصل علي بعضه , قوليلي بقي علي حاجة علشان الصداع هايموتني

لم يهاجمه ألم الاسنان الا حينما ترك وطنيه, لا يضارع  آلام القلب الا الاسنان, يهلكان الروح والجسد, وحين هاجماه كانا سويا, فدائما لا تأتيه الآلام فرادى.
اخرج هاتفه وعبث بازراره ليستمع لشيء يقتل الوقت , فانساب في اذنيه صوت فيروز "عندي ثقة فيك.. عندي امل فيك" فابتسم رغم عنه.
كانت دائما تدندن له تلك الاغنية بصوت شهيً عندما تضيق الدنيا في وجهه, فتتألق عيناه ويبتسم رغما عنه فتلكزه في كتفه مازحة
              -          فكها عشان ربنا يفكها , انا واثقة انك هاتقدر تكون اللي انت عازوه

حين غنتها له في اخر لقاء وهي تحاول ان تعدله عن قرار سفره لم يبتسم ولم تتألق عيناه وبقي متجهما فانفجرت فيه غاضبة,
              -          اذن فاذهب الي حيث اردت ولكن فلتعلم, فلن اتنفس هواء لا تسكن ارضه

لم ينتبه الا علي صوت الممرضة الفلبينيه ينببه انه دوره للدخول للطبيبة فارتبك وازال سماعة الاذن من الهاتف دون قصد حتي يسمع ماذا تقول الممرضة بلكنتها الانجليزية الغريبة فانساب صوت فيروز من هاتفه "حبيتك مثل ما حدا حب.. ولا بيوم راح بحكي" وهو يدخل غرفة الطبيبة التي كُتب علي بابها لافتة صغيرة لم يلحظها "د/ حبيبة ابراهيم شعبان"

الثلاثاء، 22 أكتوبر، 2013

عادياً

لم يكن ابدا مميزا , كان ناجحا في كل مايفعل ولكن دون ان يترك بصمة في عمله, دائما ما حسد الفاشلين والمتطرفين لأنهم نجحوا في ترك علامة فيمن حولهم حتي وان كانت سيئة, كان عاديا مثل الكثيرين, مائعا كما كان يظن.

صادق الكثيرين ولم يصادقه احد, احبه الجميع ولكنه كان في حياتهم كالماء, يحتاجونه لكن لا طعم مميز له, اذا احصي احدهم اقرب اصدقائه قد يأتي في المؤخرة ان  حضر في الذاكرة , حضوره الدائم في حياتهم كان مصدر نسيانهم له , كالشجرة امام بيتك لا تلاحظ وجودها الا اذا اختفت

حين احب كان حبا عاديا, اخلص وتفانى في حبه, وأحبت اخلاصه لكنها لم تحبه, وحين وجدت من ترك ندوب علي روحها تركته

كان وسيما مريح الملامح, وجهه كالصفحة البيضاء, لا اثر فيه لعلامات الزمن , كان يغار من القبحاء فهم لا يمحون من الذاكرة

كان ميسور الحال لا يملك سيارة فارهة تجذب الانظار ولا يستطيع ان ينحشر وسط الكادحين في المواصلات العامة, كانت سيارته مثل المئات في الشارع , مثله تماما

وحين حاول مليء فراغ روحه بالانخراط في عالم الاطفال عمل في ملجيء للصغار , احب الاطفال فأحبوه وتعلقوا به وكانوا يدعونه " عمو" ولكن احدهم لم يلقبه " بابا" كما فعلوا مع زملاؤه فغاب عنهم طويلا ثم تركهم

وحين وُجد ملقىً مغطى بدماءه في شارع مجهول الاسم نقله المارة الي الرصيف الي ان جائت سيارة الاسعاف حملته للمشرحة.

وبعد شهور شعر من يعرفوه بشيء ينقص حياتهم ولكنهم لم يدركوا ما هو