الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

قصة طويلة جدا

الشرف والخيانة يبدءان وينتهيان من هنا (واشار الي رأسه) ليس من هنا (واشار الي مابين ساقيه)

فقد خانتني حين نظرت له باعجاب ليس عندما ضاجعته

ويُقتل الرجل من هنا (واشار الي صدره)
فقد هُزمتُ حين احببتها اكثر مما تستحق
صمت طويلا ثم بصق سيجارته بعيدا وسحب عكازيه المعدنيين الصقهما بإبطيه وذهب بعيدا جدا...

الأربعاء، 3 أكتوبر، 2012

حذيفة


تعرفت به هنا في بلاد الغربة في مدينة "حائل" بالسعودية تلك المدينة القاحلة التي لولاه لاصبحت جهنم اكثر احتمالا منها, مهندسا مصريا متغربا عن بلاده وامه التي ليس لها سواه, امانها من غدر الدنيا وسندها بعد ان احنت الايام ظهرها, وعن حبيبته التي اخبرته قبيل سفره بانها ستنتظره وان كلفها الانتظار عمرها.
يحمل قلب الملائكة, تشعر بنسمة باردة تنعش نفسك في قيظ تلك الصحراء فتعلم دون ان تراه أنه قادم اليك, رقيق القلب سمح الملامح, لا تفارق الابتسامة وجهه, يعتذر طيلة الوقت دون ان يخطيء, لا تفارق لسانه عبارة "شكرا يابشمهندس" حتي ان كان هو من قدم اليك كوب الماء المجاور له, وحين ذكَرته ذات مرة انه من يستحق الشكر فاجأني انه يشكرني لانني اسعدته بتقديم كوب ماء بارد لعظشان في لهيب الصحراء.
لا يشغل حيز من المكان وكأنه غير مرئي ولكنه يضفي روح من البهجة علي من حوله دون ان ينطق, يكفي ان تنظر لوجهه لتتسرب اليك طمأنينته, لم يفتح فمه بالشكوي مرة ولو علي سبيل التذمر من حرارة الجو, دائم الرضي, يحتمل اخطاء الاخرين وابدا ما القي باللوم علي الاخرين في اي خطأ من اخطاء العمل, يحتمل سماجة رؤساء عمله وان وصل الامر للخصم من راتبه, لا يتذمر بانه لم يكن خطأه ودائما لا يكون هو المخطيء.
حين اخبرته بانه يضيع حقه اجابني "اللي عند ربنا مابيضيعش" وعندما قلت ان والدته التي تركها وحيدة أولي بذلك الخصم اجاب :قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا" "وليها رب يرزقها بيا او من غيري".
عاشق متبتل في محراب وطنه, لا يذكر امامه اسم مصر الا وترتعش عيناه وتلمع الدموع بينهما, لا يذكر ثورة يناير الا ويتبعها ب "المجيدة", حتي اشعنا عنه في وسط المهندسين الخبثاء امثالنا انه "ابن المجيدة".
شاعرا لا يكتب الا في محبوبتيه "مصر" و "هند" لم يختص سواي في قراءة مايكتب ودائما ما احبذ ان يسمعني ماكتبه بالقاءه بلهجته الجنوبية التي تتغلغل الي قلبي وما ان يري الدموع ترقرق بين عينيَ حتي يبتسم ويصمت دون تعليق او مزايدة.
اخبرني ذات مساء انه لم يتحمل الغربة عن معشوقتيه الا لأجلهما. فبعد ثورة يناير "المجيدة" اصبح البحث عن عمل في مصر كالبحث عن الؤلؤ في بحر الرمال الاعظم (هكذا كان تعبيره) واصبحت الغربة اضطرارا لا خيارا ليستطيع بناء العش الذي يحتويه ومحبوبته "اللي بمية راجل" التي تحدت اهلها ورفضت كل من تقدموا اليها وعارضت بشدة فكرة سفره لعلمها بعشقه لوطنه ولعلمها بمدي عذابه بالبعد عنهما ولكنها امام رغبته الشديدة رضخت واهدته قميصا عشية "سفره" (وهنا ادركت سر عدم ارتدائه سوي ذاك القميص الوحيد منذ عرفته). 
وايضا من اجل نفقات علاج والدته المريضة.

ولكن عفوا صديقي, فلازالت جهنم اكثر احتمالا من مدينة "حائل" القاحلة, ولازالت "هند" تنتظر وسيطول انتظارها, وفقدت الام سندها وأمانها ولم يعد لها الا الله وحده يدبر نفقات علاجها
ولازال القميص منزويا ملطخا بدم صاحبه
عفوا صديقي فكل ما قرأت لم يحدث لان "حذيفة" قُتل برصاصة غدر من يد من كان واجبا عليهم حمايته يوم جمعة الغضب في احداث ثورة يناير "المجيدة"


السبت، 5 مايو، 2012

شقيقتان

استيقظت متثائبة علي صوت امها يأتي مقتربا من بعيد منادية

- قوم ياخالد بلاش مناهدة الفطار جاهز عشان تلحق مدرستك يابني

حتي اقترب صوت امها من حجرتها وقرعت الباب مرة وبعض الاخري وفتحته دونما انتظار لرد من الداخل

- انت صاحية يااسماء؟

- ايوة ياماما, وانا انام ازاي في المولد اللي عاملاه مع الباشا الصغير؟

- طيب قومي وبطلي غلبة انت كمان,عندك محاضرات النهارده ولا لا؟

- طبعا ياست الكل عندي محاضرات, بس مش هاقوم الا لما اخد واجب الصباح في الاول

تنحني الام لتطبع قبلة حانية علي جبينها فتمسك هي برأس امها لتقبلها في وجنتيها قبلتين مصحوبتين بطرقعة خفيفة

- صباح الفل ياست الكل يا اعظم ام في الدنيا

- صباح الورد يا اعظم بكاشة في الدنيا, قومي يالله الفطار جاهز

تخرج الام من حجرة ابنتها لتصطدم بخالد متجها الي الحمام مغمض العينين يتمتم بحروف غير مفهومة فترد

- صباح النور ياحبيبي, اغسل وشك بسرعة

وتصيح مستدركة

- ياواد البس حاجة في رجلك وانت داخل الحمام, عوًض عليا يارب

***************

تحمل الام ادوات المائدة بعد انتهائهم من فطورهم وتصرخ في ابنتها المتجهة الي الخارج

- استني يااسماء اخوكي يوصلك في طريقه

- ياماما انا مش صغيرة , ده كلها سنتين وابقي دكتورة قد الدنيا, وبعدين المفعوص اللي عايزاه يوصلني ده انا كنت باغيرله وهو صغير.

يأتي صوت من الداخل

- مين بيجيب سيرتي؟

ويأتي مسرعا مختبيء الوجه داخل بلوفر احمر محاولا نفاذ رأسه من ياقته فتساعده امه فينزلق عن رقبته ويهمس في أذن اخته

- هاتنسي موضوع "التغيير" ده ولا اقول لماما انك مش رايحة الكلية وانك رايحة الميدان؟

تصيح بصوت تحاول ان تجعله عاليا بقدر ما يغطي علي صوت اخيها

- سلام بقي ياماما, يالله ياسيد الرجالة ياحبيبي

- ايوة كدة, دكاترة مابيجوش الا بالعين الحمرا, ادعيلنا ياحجة فوزية

ترد الام قادمة من المطبخ

- ربنا معاكم يابني ببركة العدرا ام النور

- ياحجة باقولك ادعيلنا مش ولعيلنا شمعتين!!

- امشي ياواد شمعتين في عينك قليل الادب !!

***************

تفترق عن اخيها بداخل محطة مترو "منشية الصدر"

- هو انت مافيش يوم هاتحسسيني برجولتي وتركبي معايا عربية الرجالة؟

- طيب ولما تنزل انت بعد محطتين ياسيد الرجالة ابقي اغير انا العربية تاني؟ وبعدين عربية الرجالة دايما زحمة

- وعربية الستات يعني مش زحمة؟؟

- لا طبعا زحمة اكتر من عربية الرجالة

يبتسم ويلكزها في كتفها بحب ودلال الاخ الاصغر ويبتعد مسرعا عندما رأي قطار المترو قادما

- لا اله الا الله

- محمد رسول الله

***************

يأتي القطار مزدحما كعاته دائما فلا تستطع اللحاق به فتقرر انتظار قطارا آخر وتنظر ناحية اخيها فتجده تشبث بأحد اطراف العربة وتنغلق ابواب القطار وينطلق بعد ان يلوح لها اخوها مبتسما فتبتسم دون رد.

تجلس منتظرة القطار القادم علي احد مقاعد الانتظار تعبث بحقيبة يدها السوداء التي دائما ماتشاكسها امها مطلقة عليها "شنطة حمزة" فتخرج منها محفظة نقودها لتخرج منها بدورها صورة طفل لم يتخطي العاشرة مسترسل شعره علي جبينه يصل حتي أعلي حاجبيه يقف أمام خلفية زراعية واضعا يديه الاثنتين بداخل جيبي بدلة طفولية حمراء اللون مرسوم بقلم جاف ازرق علي وجهه شارب ولحية خفيفان بطريقة "التنقيط" بشكل يضفي علي فتي العاشرة بعض رجولة مضحكة فتبتسم مليء شدقيها

- صباح الخير ياحبيبي يامتأنتك, وحشتني قوي, كل سنة وانت طيب, انا عارفة ان عيد ميلادك فات من خمس ايام, معلش ماجبتلكش هديةالسنة دي,... زعلان؟؟؟ ... ليه بقي ان شاء الله؟؟؟ ... ما انت عمرك ماجبتلي هدية, ده انت حتي عمرك ماقلتلي كل سنة وانت طيبة, طيب ده انت حتي ماتعرفش اني موجودة.

شبت من الطفولة الي المراهقة حتي بلوغها ولم يخترق حياتها من اسماء الرجال سوي ابيها الاستاذ “ابراهيم" واخيها "خالد" وابن خالتها "فادي" وان كان اسم فادي تسمعه في بيت ابيها اكثر مما تسمع اسم ابيها نفسه المقترن باسمها, فلا يمر يوم دون ان تذكره امها في حضورها

- فادي ابن خالتك عنده امتحانات

- فادي ابن خالتك دخل كلية الهندسة

- فادي ابن خالتك عيان, ادعيله وانت بتصلي

- فادي ابن خالتك اتخرج وبقي مهندس

لم تلحظ الام كم أجرمت في حق ابنتها وفي حق الاسرة كلها حتي لاحظت وجود اسم "فادي" اكثر من مرة في اوراق مذاكرتها محاطا بالورود والقلوب الصغيرة كعادة مراهقات الثانوية العامة في أحلام يقظتهن, فاحتفظت بسرها في نفسها ولم تواجه به حتي الابنة معتمدة علي الزمن ولهو الشباب الذي يمحو ماعلق بالذاكرة من الشوائب خاصة انها لم ترى "فادي" ابدا في حياتها ولم يعلق في ذاكرتها سوي اسمه, وقررت أيضا الاحتفاظ بلهفتها علي ابن اختها الذي طالما اعتبرته ابنها في قلبها وحدها.

ولكت هيهات ما اعتقدته الام فكان تعلق اسماء بمجرد اسم تربت علي وجوده في بيتها اكبر من قدرة ممحاة الزمن وأعمق من محاولات زملاء الدراسة والجامعة في محاولة استمالة قلب فتاة رائقة الجمال, مفعمة بالحياه, منطلقة في صداقاتها الي ابعد حد يفرضه عليها التزامها بحبها.

فقد عرفت جميع صديقاتها من اوائل ايامهم بالجامعة بأن اسماء مخطوبة لابن خالتها الذي يعمل مهندسا في احدي دول الخليج, وطار الخبر الي زملائها المعجبين, فلم يجسر احدهم علي تخطي تلك الحدود معها.

واذا ما فاجأتها احدي صديقاتها بسؤال عن اسم خطيبها تجيب بابتسامة رائقة ليس بها سوي حب واشتياق لحبيب غائب بكلمات اغنية فييروز "لاتسألوني ما اسمه حبيبي" مغناة بلحن طرب وبصوت شجن فاعتادت الصديقات عدم السؤال دون انتباه او تعمد لذلك, حتي اقرب صديقاتها عندما تحادثنها عن خطيبها يكون الخطاب بصيغى المفرد الغائب "هو".

ولم تعلم اسم خطيبها المزعوم سوي صديقتها الاقرب والاعز علي الاطلاق "غادة" صديقة الطفولة وزميلة الدراسة من الابتدائية وحتي كلية الطب, عاشت معها لوعة الحب والعذاب بذكري حبيب تعلم انه لن يمهلها القدر لتتخطي معه مرحلة الحب العذري وكم نصحتها بأن حب كهذا مكتوب عليه الفشل بل حتي مجرد علم أحد به سيجر عليهما وعلي اسرتيهما ويلات لا طاقة لأحد بها, الي ان استسلمت غادة لعمق الحب الذي تلحظه دائما في عيني صديقتها فأصبح أمر محتوم وواقع لا تستطيع انكاره او تغييره بل حتي لم تعد تتذكر أثناء حديثهما عنه بأنه يختلف في شيء عن حبيبها "مصطفي" ولكن حتي غادة صديقتها التي في مثابة أختها لا تعلم شيء عن ذاك الحب الغيابي فكل ماتعلمه أن "اسماء" تحب ابن خالتها "فادي" وأنه قد يكون يبادلها نفس الشعور ولكنه متحرج في التصريح لما بينهما من اختلاف في الدين الذي قد يجر عليهما مآسي لا يطيقانها. لكنها لم ولن تعلم ابدا أن اسماء لم تري فادي في حياتها سوي في صورة فتي العاشرة التي حاولت بعبثها ان تضيف اليها العمر كلما مر الزمن بأضافة بعض النقاط الي لحيته وشاربه. ولم ولن تعلم أبدا ان فادي لا يعلم أن له قريبة تدعي اسماء بل حتي لا يعلم شيئا عن خالته ولا يذكر انها كانت موجودة يوم ما. كل هذا لا تعلمه "غادة" عن حب اسماء المستحيل ولو علمت فما سيكون لها من رد فعل سوي تسليم صديقتها بنفسها لقسم الامراض النفسية والعصبية في "القصر العيني".

***************

أتي القطار الاخر فانتبهت من غفوتها وقامت لتلحق به وانحشرت بجسدها النحيل داخل التكتل البشري علي باب العربة لتجد نفسها داخل "كوافير بلدي" كما تحب هي نفسها ان تطلق علي عربة السيدات بقطار المترو, يتحرك المترو فتكاد تسقط علي من تقف خلفها. تنظر اليها معتذرة فترد الاخري مكتفية بابتسامة صافية تريح نفسها وتخفف أثر الزحام عليها محركة رأسها ان لاتبالي.

تلحظ ألفة غريبة في وجه تلك الفتاه التي تجزم انها لم تراها من قبل ولكنها تشعر كأنهما بينهما عشرة طويلة.

التقطت اذناها اثناء ذلك بعض الكلمات لم تفهم معناها في البداية حتي جمعت شتات بعض الكلمات من هنا ومن هناك

- وهم ايه اللي موديهم هناك

- كل اللي هناك شوية عيال فاضية قليلة الادب رايحين يصيعوا مع بعض

- لا دول الناس اللي مش عاوزين الانتخابات تتم ورايحين يعملوا فوضي علشان عارفن ان اللي هاينجحوا في الانتخابات ناس هايعرفوا يلموهم كلهم كل واحد في جحره

- وهي لو عفيفة وشريفة زي مابيقولوا كانت تلبس بالشكل ده في عز البرد ده؟

عند هذه الحد كان القطار قد تخطي محطة "الشهداء" فاصبح الزحام اقل واصبح هناك متنفس من الهواء

نظرت اسماء لزميلتها في العربة عندما سمعت اخر جملة فوجدت وجهها تحول للون الاحمر ويظهر علي ملامحها الغضب الشديد وانطلقت الكلمات من بين شفتيها دون وعي منها

- معلش ياماما ماهي لو كانت عارفة انها هاتنضرب وتتسحل كانت لبست نص الدولاب, ان شاء الله هاقولها المرة الجاية تعمل حسابها ان الجيش اللي بيحمينا اتحول لديابة وكلاب مابيتشطروش الا علي الستات والبنات, معلش ماهي لو كانت لقت رجالة في البلد ينزلوا يدافعوا عنها ماكانتش نزلت ولا خلت شوية رعاع زيكم يقولوا عليها كلام بالشكل ده, وبعدين ازاي تحكمي عليها بلبسها الداخلي؟؟ يعني حضرتك تسمحيلي اسألك انت لابسة ايه تحت هدومك؟؟؟ انتوا ازاي كدة؟ هي العبودية في دمكم؟؟ هاتفضلوا عبيد طول عمركم .

لم تستطع اسماء اسكات زميلتها مهما حاولت وعندما لاحظت التحفز علي وجه بعض السيدات اللاتي كن يستمعن دون رد كان القطار قد توقف في محطة "جمال عبد الناصر" فسحبتها من ذراعها لتنزلها من القطار. فاحتجت قائلة لها

- انا مش نازلة هنا

- معلش انزلي بس دلوقتي ونبقي نركب المترو اللي جاي

غادرتا القطار الي المحطة وجلستا علي مقاعد الانتظار واخرجت اسماء من حقيبتها علبة عصير مدت يدها بها لزميلتها فامتنعت الاخري

- ميرسي مش قادرة

- لا لازم تشربي علشان اعصابك تهدي

تناولت من يدها العلبة ونظرت لوجهها فوجدت ابتسامة ازالت توترها فابتسمت ابتسامة شاحبة

- انا حنان

- وانا اسماء, شكلك كدة رايحة الميدان صح؟

- ايوة فعلا عرفتي ازاي؟

- مش عارفة بس من ساعة ماشوفتك في منشية الصدر واحنا بنركب وانا حسيت اني اعرفك من زمان وتوقعت انك نازلة التحرير, انا كمان رايحة التحرير ايه رأيك نطلع هنا ونتمشي لحد الميدان

احتضنتها حنان بقوة اعطتهما معا الدعم الكافي واجابتها

- موافقة بس بشرط

- خير؟

- اعزمك علي الفطار علي عربية الفول اللي في مدخل ميدان عبد المنعم رياض

- مع ان ماما مابتنزلنيش من غير فطار بس علشان خاطرك موافقة

انطلقتا سويا بعد ان اتمتا افطارهما علي عربة الفول الي وسط الميدان فاشتمتها رائحة الغاز الخانقة قبل ان تريا الدخان المتصاعد خارجا من شارع "محمد محمود" المتفرع من ميدان التحرير, فصرخت حنان

- ياولاد الكلب, هم وصلوا للميدان؟؟ ييجوا بقي الناس اللي بيقولوا انهم بيضربونا علشان بنهاجم الداخلية, فين بقي الداخلية وهم بيضرونا في وسط الميدان

اخرجت حنان من حقيبة يدها قناع واقي ضد الغاز وناولته لاسماء, واخرجت اخر وضعته علي فمها وانطلقت تجري الي داخل الشارع بعدما اتفقتا ان تلتقيا دائما كلما شعرت حنان بالارهاق او التعب في المستشفي الميداني في اول شارع "محمد محمود" حيث كانت اسماء متواجدة باستمرار.

**********************

- خير اللهم اجعله خير , بركتك ياست ياعدرا, كان كابوس وحش قوي يارب حافظ علي الولاد وطمني عليهم, احنا ولادك ومالناش غيرك, شفاعتك يا ام النور

في اوائل ثمانينات القرن الماضي كانت "فوزية" في نهائي بكالريوس التجارة وكان "فادي" لم يتخط الثالثة من عمره ولم يكن فقط ابن اختها "تريزا" بل كان ابنها الذي لم تلده كانت روحه متعلقة بها وروحها تهفو اليه حتي اثناء المحاضرات, لم تكن تتعجل وقتها مع "ابراهيم" الا لأنها تفتقد "فادي"

- وايه حكاية سي فادي ده بقي ان شاء الله انا كدة هابتدي اغير منه

- ما انت عارف يا ابراهيم انا بحبه قد ايه وهو كمان مابيرضاش ياكل ولا يشرب الا من ايدي وتلاقيه دلوقتي جعان وبيعيط ومش عاوز ياكل من حد غيري

- طيب وانا؟

- انت ايه؟

- مابتحبينيش انا كمان؟

- يوووووووه بس بقي يا ابراهيم ما انت عارف اني بحبك

- طيب ومش هانول الشرف زي فادي باشا واكل من ايدك؟

- تصدق بقي ياحبيبي انت عامل زي القطط, لحقت تنسي حلة المحشي اللي عملتهالك بايدي امبارح

- تلاقيكي اصلا مش انت اللي عاملاه

- بصراحة انا عملته انا وتريزا او يعني هو بصراحة اكتر انا ساعدتها فيه

- وياتري بقي حلة المحشي دي طلعت علي اسم مين المرة دي؟

- زي العادة طبعا ياحبيبي معمولة لدميانة زي كل مرة .

لم تخبر "فوزية" احدا بقصة حبها سوي "فادي" لعلمها بانه وحده من سيحفظ سرها فلم تكن والدتها "ماريا" المتسلطة قريبة منها يوما فكل ماكان يشغلها هو توفير نفقات الاسرة من دخل الاب البسيط وحتي ابوها الاقرب لقلبها في ذاك المنزل لم يكن له دور ايجابي في حياتها او احد من اخوتها فقد ترك امور التربية وادارة المنزل للام وانشغل هو بعمله الذي يستحوذ علي كل نهاره وبسهراته المسائية مع اصدقائه حتي يسري عن نفسه عناء وشقاء النهار.

لم يكن لها من صديق في ذاك البيت الا اختها الاكبر "تريزا" التي كانت بمثابة الام بالنسبة لها بالرغم من ان فارق سبع سنوات لا يجعل طبيعة العلاقة هكذا ولكن لان تريزا حملت المسؤولية مبكرا مع امها حتي انها اجبرتها علي ترك المدرسة حتي تساعدها في اعمال المنزل فقد جعلها هذا تلعب دور الام لاخوتها بجدارة خصوصا لاختها الوخيدة "فوزية" ولكن ذاك الحنان الأمومي الذي صبغته عليها تريزا جعلها لا تجرؤ علي اتخاذها صديقة قريبة منها خاصة وان شخصيتها الضعيفة ذابت في شخصية امها الأقوي فلم تكن تسمع او تري او تعلم شيء الا وكان يصل امها قبل ان يصل جوفها

كل هذا جعل من فادي هو الصديق المنقذ لها حال وصوله بسلامة الله الي ارض الشقاء, فولدته امه في بيت ابيها عندما كان ابوه خارج البلاد ومن شدة تعلقه بخالته "فوزية" لم يستطع ان يتخلي عنها وهي لم تستطع ان تتركه كي يعود مع امه الي بيت زوجها بعد ان عاد الي الوطن, فمكث فادي في بيت جده او بالأحري في بيت (خالتو وزة) ساكنا معها حجرتها, لا ينام الا في حضنها ولا يأكل الا من يدها ولا يلعب الا اذا حضرت من الكلية, اخبرته عن حبها لابراهيم ذاك الحب الذي تراه مستحيلا ولكن هل للهوي من احكام؟ كيف تقدم لاسرتها زميلها المسلم كي يخطبها؟ لم تكن ابدا اسرتها متعصبة او حتي يمثل لهم الدين الأولوية الأولي في حياتهم ولكن هذا كله شيء وزواج ابنتهم او حتي وجود علاقة بينها وبين فتي مسلم شيء اخر فهذا نوع من العار الذي تجره علي الاسرة وعلي البلدة كلها

تعلم جيدا – علي قدر ماتعلم- ان المسيحية لا تحرم الزواج من غير المسيحيين سواء في ذلك للرجل والمرأة ولكن اين يذهب أصل الدين وكم يظهر الجوهر وسط تعفنات التقاليد وتراكم طبقات الاساطير والخرافات التي تلتصق بالدين ظلما وبهتانا

************

لم ينغص حياتها مع ابراهيم منذ تزوجا الا انفصالها عن "فادي" فكم مرت ليال باتتها تبكي في حضن ابراهيم وهو يربت علي كتفها , ولم يهون عليها هول ذلك الانفصال سوي حب ابراهيم واحتوائه لها, فكم تحمل من اهانات من " تريزا" كلما حاول الاتصال بها مترجيا اياها ان تسمح له ان يحضر "فادي" لخالته فقط بضع ساعات, كم سمع من دعوات عليه وعلي "فوزية" لم يوصلها لسمعها حتي هذه اليوم مبقيا علي اخر ماتبقي من احترام بين الاختين, ولن تنسي جميل صديقة طفولتها وجارتها "صفاء" التي تأتيها بأخباره حتي اليوم وكم اتت اليها بصوره في مراجل محتلفة حتي انقطعت عن احضارها للصور بعد ان اكتشفت "تريزا" العلاقة التي مازالت تربط بين "صفاء" و"فوزية" وحرمت عليها بيتها واتهمتها بأنها من سهلت لهروب صديقتها مع الذئب الخاطف ابراهيم لأنه من ملتها.

- ليه ياتريزا, عمري ماكنت اتوقع منك القسوة دي, كل ده ليه؟ ده انت كنتي امي وماحبيتش حد في الدنيا قد ماحبيتك, كل ده علشان حبيت حد مش عاجبكم؟ ابقي جبتلكم العار واستاهل الموت؟ انا ماكنتش عايزة منكم حاجة, مش عاوزة غير اني اشوف ابني اللي ربيته , طيب ما انا ماسيبتش المسيح, انا فضلت مسيحية, يعني كل الجريمة اللي ارتكبتها اني اتجوزت من غير رضاكم؟

*****************************************

ترتفع الهتافات خارج الخيمة "يسقط يسقط حكم العسكر... احنا الشعب الخط الأحمر" , "ياطنطاي قول لعنان ... اهالي الشهدا في الميدان" , " الاخوان فين ... الأحرار اهم"

وداخل خيمة المستشفي الميداني ينهمك الأطباء والمتطوعين في تجبير الكسور ومعالجة الجروح واسعاف المختنقين اثر الغاز واخراج طلقات "الخرطوش" من اجسام المصابين , يضع الجميع اقنعة الغاز لوصول الغاز اليهم بغزارة , تختلط في عيونهم دموعهم علي جراح المصابين وارواح الشهداء المزهقة مع الدموع الناجمة عن الغاز الخانق الحارق المسيل للدموع وللأعصاب, بالدماء النازفة من العيون التي اضاعتها طلقات الخرطوش

وفي فترات راحة الجنود من تعب القاء القنابل علي المتظاهرين او كما كان يحلو للبعض ان يسميها "فترات الهدنة" كانت خلية النحل داخل خيمة المستشفي الميداني تتحول لحلقة فنية تنجلي فيها المواهب من القاء شعر او غناء من المصابين الخاضعين للعلاج وترديد الهتافات مع المتظاهرين في الخارج

- حمدالله علي سلامتك ياحنان والله انا قلبي اتخلع اول لما شوفتك متشالة وداخلة عليا , بقي هو ده اتفاقنا؟ احنا مش اتفقنا انك تيجي تقعدي معايا لما تتعبي؟ ما اتفقناش انك تجيلي متشالة

- الحمد لله انها جات علي قد كدة, ده انا كنت هاموت فعلا, انا وقعت في وسط اربع قنابل ومن كثافة الدخان ماحدش شافني, الناس كلها جريت وفضلت انا وكام واحد ماحدش شافنا الا لما الدخان ابتدي يهدي, كنت حاسة اني باموت بجد, فيه نار في صدري ومش قادرة اتنفس, وكان نفسي يغمي عليا بس ماحصلش, وماكنتش قادرة اصرخ او انادي علي حد علشان يلحقنا. لحد ما الناس شافونا وجم شالونا

- الحمد لله ياحبيبتي الف حمدالله علي سلامتك, هاتفضلي جنبي هنا لحد ماتبقي كويسة ومش هاتدخلي جوا الشارع النهارده خالص

- حاضر ياستي مش هاكسر كلمتك

- انتوا ابطال ياحنان ياريتني كنت اقدر اكون زيك كدة واقدر اكون معاكم جوا الميدان

- انت بتعملي دورك هنا زينا واكتر, من غيركم كان عدد الشهدا يبقي اضعاف العدد دلوقتي وماكناش قدرنا نكمل دورنا

- انت عارفة ان فيه واحد لسة كان جايلنا من شوية عينه ضايعة بسبب طلقة خرطوش ولما كشفنا علي عينه اكتشفنا انه اتصاب في عينه الوحيدة السليمة ولما سألناه عرفنا ان عينه التانية ضاعت يوم جمعة الغضب

- هانجيبلهم حقهم يااسماء هانجبلهم حقهم كلهم , وكل واحد كان السبب في نزيف نقطة دم واحدة من اطهر وانبل من في البلد دي هايدفع مكانها من عمره ومن دمه

انطلقت هجمة جديدة وعنيفة من جنود الامن المركزي مستخدمين ماتبقي في جعبتهم من ادوات بطش وعلي مايبدو انهم كانوا علي يقين بأنهم سينهون تلك المهزلة بعد ان امتدت الي اكثر مما ينبغي فنزلوا بكل قوة حتي ينتهون باقصي سرعة, ولكنهم لم يكونوا يعلمون بأنهم كلما زاد بطشهم زاد اصرار المتظاهرين وازادت اعدادهم اضعاف اضعاف فكانوا يتسابقون ليكونوا في الصفوف الأولي ليحموا زملائهم من ورائهم

تدافع المصابون بكثرة علي المستشفي الميداني حتي انهك الاطباء من من طول فترة الهجمة وكثرة أعداد المصابين وعمق جروحهم وشدة اصاباتهم ولم يعد يكفي عدد سيارات الاسعاف المعدة لنقل الحالات الحرجة للمستشفيات العامة فتراكم المصابون داخل الخيمة واضطرت "حنان" ان تخرج لتنتظر بالخارج حتي تترك مكانها لغيرها من المصابين بعد ان تعهدت ل "اسماء" بأنها لن تدخل في الصفوف الاولي علي الاقل طوال هذا اليوم وان تشرب كمية كبيرة من اللبن حتي يعادل مادخل رئتيها من غاز حارق.

- لا الله الا الله, لا اله الا الله , لا اله الا الله, لا اله الا الله

انخلع قلب اسماء فجأة وسألت احد الداخلين للخيمة المزدحمين حول المحمول علي أعناقهم

- فيه ايه؟

- ده شهيد يادكتورة, بس مافيش عربيات اسعاف فاضية دلوقتي علشان تنقله المستشفي.

انفض الجمع من حول الشهيد وخطفت عينيه اسماء فوقفت امامه تشعر به وكأنها تعرفه من زمن بعيد, فهذه العينان لم تكن ابدا غريبة عنها, فلابد انهما تقابلا قبل الان في وقت ما ربما في حياة اخري  لا تعلم

- كيف لهذه البراءة ان تغتال, كيف لهذا الوجه الباسم ان يموت, كيف جرؤت ايها الموت ان تقترب من ملاك مثل هذا, كم اغتيل بداخلك من افكار واحلام, كم اسرة تحطمت بموتك, كم حلم بنيته لتحققه في وطن حر, كم قصر بنيته مع حبيبتك علي الرمل وفي خيالكما وسابقتما الحياة لتحققاه, كم شخص مكلوم تركته ايها الشهيد وذهبت وحدك تاركا لنا وحدنا الشقاء, ماحال امك اليوم, كيف سيزفون لها الخبر؟ هل ستصرخ ام ستزغرد مودعة اياك في موكب زفافك لعروسك الاعظم؟؟ كيف سيكون حال حبيبتك؟ هل ستتماسك؟ ام ستنهار؟ هل ستبكي؟ تنتحب؟ ام ستخبر الجميع بانها لم تفقدك بل قدمتك ضحية مقدسة للام الاعظم وتبتسم وتفرح وتترك الحزن والبكاء والنحيب حتي ماتحتويها ظلمة الليل وبرودة الظلام فتجهش وتنتحب حين لا يمنعها عنهما احد, هل كنت سند ابيك؟ ستر اخواتك؟ كم تيتم في الدنيا من اطفال باغتيالك؟ كم تركت من الاصدقاء ملهوف علي رؤيتك ولو لآخر مرة, كم منهم سينتظرك غدا علي المقهي ولن تذهب اليه؟ كم منهم سيشيعك ويعود للميدان باحثا عن نقاط دمك المسفوكة علي رصيف شارع الشهداء, كم منهم سيتبعك من اجل الحصول علي حقك وحقوق زملائك ممن سبقوك, كم من متاجر سيتاجر باسمك وبدمك للحصول علي منصب او كرسي؟ كم سيقدرون ثمن حياتك ودمك, بكم من الجنيهات ستقدر حياتك؟؟

- دكتورة اسماء, دكتورة اسماء

- هه, نعم, ايوة يادكتور

- انت سرحانة في ايه , من فضلك ناوليني البيتادين وقصي بنطالون "البيشنت" من عند منطقة الاصابة لحد ما اجيلك

- حاضر يادكتور انا اسفة

- هو فيه ايه الاصوات بتقرب كدة ليه واضح انهم ابتدوا يقربوا جامد من هنا, خدوا بالكم ياجماعة من المصابين, اهم حاجة الناس اللي عندهم كسور لو حصل اي هجوم كل واحد يرمي نفسه علي حد منهم, وياريت الناس اللي كان عندهم اختناقات يطلعوا برة الخيمة في الهوا علشان لو حصل هجوم هنا ممكن يحصلهم انتكاسة

*******

علي موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" كتب احد الناشطين

- ولاد الكلب هجموا علي المستشفي الميداني اللي جنب هارديز وفيه اخبار ان فيه دكتورة ماتت

*******

امام مشرحة القصر العيني تعانقتا لأول مرة منذ ستة وعشرين عاما شقيقتان "تريزا" و"فوزية" منتحبتان متشحتان بالسواد تنتظران جثماني ابنيهما.

الثلاثاء، 1 مايو، 2012

ابن ستين كلب

لما تبقي عارف انها مستنياك في البيت

وبتتسخن الاكل كل مايبرد

وترميه وتعمل غيره

وهاتاخدك بالحضن اول لما تفتح الباب

ومش هاتعاتبك ولا هاتلومك

لانك هجرتها

او خنتها

او سيبتها زي الكلبة سنين لوحدها

او فعصت قلبها برجليك

وكل اللي هاتعمله انها تاخدك في حضنها وتقولك

ماتقولش اي حاجة

انت بس وحشتني قوي

لما تبقي عارف ومتأكد من كل ده

تبقي حيوان وابن ستين كلب

لو مامرمطتش كرامتها في الارض قبل ماترجع

لو ماخنتهاش مع طوب الارض قبل ماترجع

لو ماكسرتش قلبها بدل المرة الف قبل ماترجع

لو ما اهنتهاش وعايرتها وانبتها الف مرة قبل ماترجع

لو ماهجرتهاش وتجاهلتها سنين ولا كانها موجودة قبل ماترجع

تبقي حيوان وابن ستين كلب

لو اصلا رجعت

السبت، 31 مارس، 2012

تتر النهاية

wh_79703995

 

كومبارس في فيلم رخيص

دورك مرسوم بعناية

ومتحدد

كام مشهد, كام كلمة

امتي تبان في الصورة وامتي الضلمة

إياك مرة تعدل فيه

والكارت الأحمر دايما مرفوع

لو مش عاجبك دورك

برة!!

فوق ياحمار

ده انت المخرج

الأربعاء، 14 مارس، 2012

يا ساكن الشرفة

24532

ابنك الضال لن يعود

ابنك الغائب لم يعد يذكرك

متي تقايض أملك ببعض الراحة

اترك الرجاء فاليأس يشفي الجراح

انزل من شرفتك وادفن جسدك النحيل بفراشك علها تعطيك الدفيء

انزل فمهما كان ارتفاع الشرفة لن يراك

فهو لم يعد يلتفت تجاهك

ولن يضيره ان عاد ووجدك بالفراش

انزل فلن يعود

فهو يعلم كم مرضت بفراقه ولم يعد

فهو يعلم كم شقيت بهجرانه ولم يعد

فهو يعلم كم هجرت كل الناس منتظرا اياه ولم يعد

فهو يعلم كم اعلت صحتك برودة الانتظار ولم يعد

فما تنتظر حتي الان

اعلم انه لن يعود

ولم يعد صعودي للشرفة انتظارا

ولكني اناجي الله وادعوه الا يعود بعد موتي فلا يجدني بانتظاره

الخميس، 8 مارس، 2012

محض إفتقاد

KONICA MINOLTA DIGITAL CAMERA

طفل لم يتخطى الرابعة

تائه في ليل ديسمبر

في شارع مظلم مبلل بماء المطر

خال تماما من البشر

يسير حافيا دامي القدمين

لا يسمع سوى مواء القطط

وزمجرة الكلاب الضالة ممزوجة بصوت بكائه

مرعوب من مصير لا يعلمه في الدقائق القادمة

يقرص الجوع أحشائه

وينخر البرد أوصاله

تصطك أسنانه ببعضها

يجد أمه أمامه

تلتقطه وتضمه لصدرها

تدثره بمعطفها

تأخذه للبيت لتصنع له وجبة ساخنة

أحبك كما أحب ذاك الطفل أمه

وحشتيني …

الثلاثاء، 6 مارس، 2012

رباه

cdb3067ca4

رباه اني مظلوم فلا تنتقم

رباه اني مقهور فلا تنتقم

رباه اني مكسور فلا تنتقم

رباه اني محطم الفؤاد فلا تنتقم

رباه اني مُنتهَك الروح فلا تنتقم

فما فعلت بي الا من احيا لأجلها

فاعطها بقدر حزني سعادة

اعطها بقدر المي فرح

اعطها بقدر شقائي هناء

فاعطها بقدر حبي لها حياه

الأربعاء، 29 فبراير، 2012

ما بعد التتر

عاد الإبن الضال لحضن الاب الملهوف

الجالس كل صباح ومساء في الشرفة منتظرا ابنا عاق سنينا حتي يعود

مرتميا بين احضانه وتقام الحفلات

وتنحر الثيران فرحا تحت قدميه

تري لو لم تتوقف القصة عند هذا الحد

كم مرة كان سيعوق الابن

وكم سنة اخري سينتظر الاب

كل صباح ومساء؟؟؟؟

 

الأحد، 12 فبراير، 2012

تابوت خشبي صغير

لم يكن يتبق له في هذا الجسد الكثير, كان يعلم ذلك, وكانت معظم معلوماته صحيحة, جسده النحيل لم يشكل عبئا ثقيلا علي روحة الشفافة
كان صباحا باردا كئيبا, فلم يعد يتحمًل جسده الهزيل برودة الطقس بالرغم من توحده مع برودة القلب طيلة حياته
القى غطاءه بعيدا ملوٍحا له بيده كمن يلقي يمين طلاق على عجوز شمطاء التصقت به بعقد احتكار لرجولته لعقود طوال, فلم يكن بينه وبين اغطية الفراش اي عمار او الفة, لم يكن يحتمل اي عائق بينه وبين الطبيعة ولكن لعن الله امراض العظام
مد يده مغمض العينين الي المنضدة الصغيرة بجوار فراشه تناول علبة تبغ مصنوعة من صفيح رخيص ذات ملصق لفتاة شبه عارية , لم يعد يتذكر منذ متي وهي ترقد علي تلك المنضدة ولم يعد يعلم من اتي بها الي هنا
اصبحت كل الاشياء يصنعها بحكم العادة حتى التبغ لم يعد له ذاك المذاق الحارق الذي كان يتلذذ به متغلغلا بين ضلوعه
وضع علبة التبغ علي ركبته بعد ان جلس فاركا عينيه بأصابع ملوثة من تأثير لف وريقات التبغ قبل النوم, فوقعت علي الفراش ولم تحتفظ باتزانها, فاطلق بعض الشتائم البذيئة اليها وتركها ملقاة علي الفراش ونهض متوجعا قابضا ظهره بيمناه وعكاز خشبي متسخ بيسراه سائرا بضع خطوات فوطأت قدماه كتب متناثرة علي الأرض فلعنها هي الاخرى ونظر الي مقعد - كان وثيرا ذات يوم- تعلوه طبقات من التراب لم يجلس عليه منذ لم يعد يحتمل جسده سوي سريره الخشبي الذي استغنى به عن كل مايمكن ان يلامس جسده – باستثناء ذلك المقعد الخشبي اللعين الذي يجلس عليه منكبا لساعات طوال علي مكتب خشبي قديم تنبعث منه روائح الصمغ والغراء ونشارة الخشب – لعن المقعد الوثير ولعن تلك الايام التي احتضنه فيها وتذكر لاول مرة في ذاك اليوم الكئيب شيئا حدث في الماضي, تذكر كم ناجى الله جالسا علي ذاك المقعد المهترء الأن وكم شكا له وكم انكر وجوده, كم من الكتب قرأها عليه وكم من الكُتًاب نالوا من لسانه اقذع الشتائم , منهم من شتمه استحسانا واخرون سبًهم هجاءا
لم يطل في ذكرياته فلم يعد يحتمل التركيز في الماضي كثيرا فمضي في طريقه ليصنع كوب قهوته الاول من عدد لا يعلمه من اكواب القهوة المحروقة دائما
عاد بعد دقائق يحمل القهوة متكئا علي عجازه الخشبي فوضع الكوب علي المكتب والعكاز بجواره وجلس مستندا بظهره الي الحائط جاعلا ظهر الكرسي تحت ابطه الايسر ناظرا الي اكوام من الورق أفني عمره في كتابتها ولم يقرأه احد غيره ولم يقرأها هو منذ كتبها
كتب عن كل ماقرأ, دوًن كل ما جال بخاطره يوما, حاول الوقوف فلم يستطع, استند بيده علي ظهر المقعد وبالأخرى علي المكتب فخانه المقعد وتخلي عنه فانزلقا معا وفوقهما كوب القهوة مصاحبا المشهد كله موسيقا تصويرية من اصوات الارتطام واصوات لعناته للكرسي والقهوة وللروماتيزم والعكاز وكل مامر بحياته يوما
نهض اخيرا بعد معاناة طويلة وقبض علي العكاز العجوز وذهب الي ركن الحجرة المتكدس فيه اوراقه المتربة والمتسخة كلهابعد انا عرج علي مفتاح المصباح الوحيد الموجود في الغرفة فأضاءه, جلس بصعوبة علي الارض واضعا ماكان منتعلا به تحت مؤخرته متقيا به شر البرد الصاعد من بلاط الغرفة عارية الارض ناخرا عظامه, مد يده ليلتقط بضع وريقات يجمعها ببعضها مشابك معدنية صدئة يغلفها ورقة مائل لونها للون البني متناثر عليها بعض من بقع ماء جفت بعد ان التقطت بضع ذرات من التراب لتثبتها علي الورقة, تحتوي علي سطر واحد في منتصفها تقريبا حاول فك طلاسم الخط الذي كتبت به وبعد طول عناء بدون نظارته الطبية وتحت تلك الاضاءة الخافتة المنبعثة من المصباح النيون الذي لم يعد يستطع الصعود فوق الكرسي ليمسحه حتي يعطي المزيد من الاضاءة استطاع قراءة ما كان مكتوب بصوت اجش (بين خلق الاله للانسان وصنع الانسان لصورة الاله,هناك مساحة ما), ظهر الاعياء علي ملامح وجهه ربما من التركيز فيما اذا كان هو كاتب هذه الكلمات.
مسح تلك الوريقات في ملابسه ثم نفض ما لصق من ذرات تراب بملابسه في محاولة لرشوة ضميره ببعض من النظافة الشخصية, ثم تصفحها ورقة بعد الاخري وجرت الكلمات امامه مشوشة غير ظاهرة القوام .
القي بها جانبا وكرر ما فعله بمجموعة اخري ليقرا عنوانها (تاريخ التصوف في ديانات العالم القديم) واخري (الانسان الحديث والانعزال الاختياري) (النفس البشرية وحاجتها للالتصاق بالاله) (تطويع الفلسفة لمسايرة اهواء الفلاسفة) (صناعة الفراعنة) (الايمان الاختيار الاسهل) (الحب من وجهة نظري).
تغيرت ملامحه عندما وقعت عينيه علي ذاك العنوان الاخير واصبح وجهه وجه مراهق يري حبيبته بعد طول غياب, ابتسم لاول مرة منذ سنين وتصفح الوريقات ببطيء وتلذذ حتي انتهي من قراءتها مجتمعة.
مد يده للوراء دون ان ينظر حتي تعثرت بالعكاز فنهض وهو مازال ممسكا بوريقات وجهة نظره في الحب ويبدو انها غيرت مزاجه فجأة فاصبح يدندن باغنية قديمة لم يتذكر منها الا لحنا ووضع له كلمات تناسبه هو فقط لا تمت باي صلة لكلمات الاغنية الاصلية, وضع الوريقات علي المكتب والتقط كوب القهوة من مكانه علي الارض منذ سقوطه فوقه وذهب ليصنع كوبا جديدا من القهوة بمزاج رائق وعاد بعد قليل وهو مازال يدندن بذلك اللحن القديم, رشف القهوة بصوت عال ثم وضع الكوب علي المكتب والتقط قلم بعد ان جلس علي الكرسي الخشبي بعد ان اعاده الي وضعه امام المكتب وسحب الاوراق التي وضعها منذ قليل وجري بالقلم علي العنوان صانعا خطا عرضيا وكتب تحتها ( لم يكن الحب ابدا وجهة نظر) ثم وضع القلم جانبا راضيا عما فعله مبتسما مرة اخري ونحي الاوراق جانبا.
التقط من المكتب نموذجا مصغرا لتابوت خشبي بزخارف دقيقة عليه حرف ظاهر بارز من حروف الابجدية الانجليزية, حرف (S) وعمل علي صنفرته ثم دهنه بمادة الورنيش الشفاف ووضعه جانبا وكرر ما فعله بعدد ليس قليل من تلك النماذج المتعددة الاشكال والاحجام.
مر وقت طويل علي جلوسه في مقعده مدندنا بذات اللحن القديم عاملا علي تشطيب تلك النماذج الخشبية دقيقة الصنع, حتي شعر بالارهاق وانجز مهمته كما اراد.
قام من جلسته متجها الي ركن الحجرة المكدس بالاوراق ماسكا في يده حقيبة من البلاستيك الاسود وجلس امام الاوراق واضعا اياها كلها في تلك الحاوية البلاستيكية دون ان يهتم ان ينظر الي تلك الاوراق او ماهو مكتوب عليها حتي اتمها كلها داخل الحقيبة ووضعها جانبا, ثم اخد حقيبة ورقية فاخرة الصنع وضع فيها نماذجه الخشبية بعد ان جفت من دهانها ولم يترك علي المكتب سوي نموذج التابوت الخشبي والتقط ورقة صغيرة وقلم وكتب بضع كلمات
"دي اخر مجموعة اتفقنا عليها, انت عارف هاتدي الفلوس لمين , ارجو انك ماتتأخرش عليهم , معلش هاتعبك معايا تاخد الشنطة السودا دي في ايدك ترميها في مقلب الزبالة , شكرا ياصديقي العزيز."
وضع الورقة الصغيرة بداخل الحقيبة الورقية المحتوية علي النماذج الخشبية متقنة الصنع وحمل الحقيبتان وفتح باب شقته ووضعهما بجوار الباب عائدا الي الداخل بعد ان اغلق الباب.
نظر الي السماء من شباكه المفتوح فكانت الظلمة حالكة في تلك المنطقة العشوائية التي لا ينيرها سوي القمر المختفي خلف الغيوم .
التقط وريقات حبه من علي المكتب وذهب الي المقعد الوثير, جلس عليه بصعوبة وبعض التوجع وضع الاوراق علي ساقيه, ومال برأسه علي ظهر المقعد ورحل عم سعيد العجوز في نهايات العقد الرابع من عمره الطويل في هدوء.